لا تتردد بالبحث في ماركيترز عما تريد ..

[wd_asp id=1]

و ماحب الشعارات شغفن قلبي

3232

و ماحب الشعارات شغفن قلبي

قصتنا اليوم يا أحبابي عن الراعي نجال و الراعي توكي، الجالسان على ضفاف نهر تانا، في العام أربعة آلاف قبل الميلاد.

نحنا لسنا أطفالا لتحكي عنا قصصا.

اصبر يارعاك الله و استمتع بالقصه، لاحقين على الشغل.

في ذلك اليوم، اشتكى نجال لتوكي قائلا: الناس ماعاد فيها خير، كل ماسرحت أبقارنا و اختلطت بأبقار أحد قال ايه هذي أصلا ابقاري!!

رد توكي: صدقت، أمس بالمضاربة عرفت آخذ أبقاري من حظيرة جارنا كنود، قال ايش قال الابقار تتشابه !!

“طيب وش رايك؟! نحط علامه على أبقارنا و اذا احد تفلسف وريناه العلامة، و نخليها علامه ماتروح، نكوي العلامه كي في البقره؟” اقترح نجال هذه الفكرة.

رد توكي: رائع، علامتك ثلاث خطوط جنب بعض، و علامتي دائرة.

“حرام عليكم، وش هالهبال، عذبتوا البقر” ظل اهل القرية يهتفون و توكي و نجال مكملين في كي علامات على ابقارهم حتى اوسومها كلها و صار الجيران يعرفون ابقار توكي و ابقار نجال بمجرد رؤيتها. لو كان هناك حقوق ملكية فكرية لأصبح توكي و نجال اثرى اثرياء القرية، لأن أهل القرية حذوا حذوهم بعد فترة و بدأو جميعا بوسم أبقارهم بشعارات مميزة.

مرت الأيام، و طفش توكي، دائرة دائرة دائرة، ماهذا الملل؟! لماذا لا أجعلهما دائرتين متداخلتين؟
و فعلا صار شكل وسم توكي أجمل، و أبدى الكثير من الجيران إعجابهم بالقدرات الإبداعية للفنان توكي. تحمس توكي، و تفتق ذهنه الإبداعي على أن يجعل الدائرتين شعارا لأبقار هذا الموسم فقط، و صنع شعارا أخر لأبقار الموسم القادم، و شعارا آخر للأبقار التي ولدت شرق الوادي، و آخر للأبقار التي ولدت غرب الوادي، ثم صمم ثلاث شعارات أخرى للثلاثة قطعان التي يسرح بها ابناءه الثلاثة. ذهل الوادي بفنيات توكي و أصبح شغل الجيران الشاغل انتظار الشعار القادم الذي سيبدعه توكي.

مالم ينتبه اليه توكي، أن أبناءه أصبحوا يخوضون معارك يومية مع كل الرعاة ليثبتوا لهم أن هذه الأبقار هي ابقارهم، و لكن الشعارات مختلفة لأن البقرة الأولى ولدت في موسم الربيع و الثانية ولدت غرب الوادي و الثالثة ولدت في حفل اطلاق الحظيرة الجديدة. بل و استفحل الأمر الى أن بعض الرعاة بدأ يصنع وسوما خاصة فيه و يذهب بها الى السوق مدعيا انها من أبقار توكي لكن شعارها مختلف لأنها ابقار الموسم الجديد.

لنترك توكي و أبناءه الآن و لنبحر بالزمان و المكان حيث تطور الأمر من استخدام الشعارات لتمييز القطعان الى استخدام الشعارات لتمييز حتى الجيوش، كان السارمتيون في بلاد فارس القديمة قبل معاركهم يطلقون فارساً يلوح بقطعة قماش رسم عليها تنين في كل معركة ، اما يوليوس قيصر فأراد أن يميز لواءه عن باقي ألوية جيش روما فجعل الصقر شعارا له و لجنوده. و تطورت الشعارات الى رايات ، أخرج الترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجة في التاريخ الكبير بسند حسن عن البراء بن عازب ” كانت راية النبي عليه الصلاة و السلام سوداء مربعة من نمرة ” أي من صوف. و تطورت الرايات الى أعلام وطنية، و أعلنت الدنمارك علمها الوطني في عام ١٦٢٥م. بعد هذا التاريخ بقرابة مئة عام و على بعد ستة آلاف كيلومتر وقع أمير شاب يدعى محمد بن سعود ماسمي لاحقا بميثاق الدرعية، و أصبح هذا الاتفاق هو النواة الأولى للمملكة العربية السعودية. كان العلم الذي اتخذه هذا الشاب أخضر اللون يتوسطه هلال، علم مر بعدها بخمسة تعديلات حتى أصبح الخفاق الأخضر الذي نراه اليوم.

للسيناتور الأمريكي جون ثيو وصف جميل للعلم الوطني يقول فيه: “علمنا ليس مجرد قماش و حبر، علمنا هو شعار يعرفه العالم بأكمله، شعار يرمز الى الاستقلال و الحرية، إنه تاريخ أمتنا ، ودماء الذين ماتوا وهم يدافعون عنها.”

نعيش اليوم في دولة تعد من العشرين الأقوى في العالم اقتصادياً و عسكرياً، و لدينا شعار وطني تطور عبر قرابة الثلاثمائة عام. جميل أن نبدع في اظهار مايرمز اليه من قيم و تسويقها محلياً الى ابناءنا و زوارنا، و دوليا الى أصدقائنا و شركائنا. لكن تعدد الشعارات (شعار وطني، شعار يوم وطني، شعار يوم التأسيس الوطني) رغم كونه جميلا من الناحية الشكلية لكنه يقوم بإضعاف الشعار الأم و تشتيت من نريد أن نزرع فيهم معاني الشعار و قيمه.