لا تتردد بالبحث في ماركيترز عما تريد ..

[wd_asp id=1]

هل صوت اعلامنا لايتجاوز منفذ القريات؟

913

هل صوت اعلامنا لايتجاوز منفذ القريات؟

في البدايه, لايوجد “منفذ القريات”، هناك “منفذ الحديثة البري”، و ستسميه منفذ القريات اذا كانت حدود معلوماتك عن المنطقة هي مرورك بمدينة القريات، اما اذا كنت تعرف المنطقة و تفاصيلها فستعرف انه منفذ الحديثة يقابله من جهةالأردن منفذ العمري، بعد منفذ العمري بقليل ستأسرك رائحة المشوي لمطاعم لن تستطيع تجاوزها الا بعد ساعة تختمها بكاسة شاي يتصاعد بخارها في برد الأردن الجميلة.

و من قريات ٢٠٢٤ دعونا ننتقل الى نيوجرسي عام ١٩٣٨، حيث دارت هذه المحادثة الهاتفية بين مواطنة مذعورة و ضابط شرطة مذهول.

• “نيوجيرسي تحترق، انهم يقصفوننا !!”
• “من هم ياسيدتي؟!!”
• “لاتتظاهر بالغباء، أنت تعرف من أقصد، الفضائيون ”
• “سيدتي أرجو أن تدركي أن الاتصال على قسم شرطة بغرض الإزعاج يعد جناية يعاقب عليها القانون”
• “هل أنت أحمق؟! انظر من نافذتك، الدخان يتصاعد من كل مكان، نحن تحت الحصار”

أقفل الضابط الهاتف و خرج الى الشارع ليصعق بطوابير من السيارات تفر من المدينة، بالإضافة الى العشرات من المواطنين الهائمين على وجوههم و الذين ما أن رأوه حتى انقضوا يسألونه عن أماكن ملاجئ الحرب.

ليس ماسبق مقطعا من فلم، بل ليلة حقيقية و أحداث حقيقة حدثت في ٣٠ أكتوبر عام ١٩٣٨ و موثقة في السجلات الحكومية الرسمية لولاية نيوجرسي الأمريكية. في تلك الليلة، امتلأت المستشفيات بالخائفين و أقسام الشرطة باللاجئين و تعطلت خطوط الهاتف بفعل ضغط المكالمات، و انهالت على الشرطة تقارير القصف و حوادث رؤية الفضائيين من كافة أطراف المدينة و من مئات المواطنين .
هل من المعقول ان نيوجيرسي بأكملها كانت تهلوس تلك الليلة!

القصة و مافيها أن مقدم برامج إذاعية و مخرج مسرحي مبدع يدعى يدعى اورسون ويلز قدم فقرة جريئة على برنامجه الإذاعي، حيث أعاد اخراج رواية “حرب العوالم” و التي تدور أحداثها حول غزو كائنات فضائية من المريخ للأرض، و صاغها اورسون على طريقة الإذاعة. حيث فوجئ المستمعون ليلتها بسلسلة من الأخبار العاجلة تقاطع البرامج المعتادة لتبث تقارير ميدانية و شهادات عيان تصف غزو كائنات فضائية لبيوت و شوارع نيوجرسي. وحدث ما حدث و انتشر الهلع، و بالكاد استطاعت السلطات تدارك الوضع.

عند التحقيق في الحادثة و أسبابها اكتشفت السلطات ان اورسون لم ينو ابدا سوء النية او اثارة الهلع، بل على العكس، لم تتجاوز فقرة اورسون مدة ساعة من البث، و حتى خلال هذه الساعة أعلن اورسون ثلاث مرات في البث أن مايذاع هو قصة خيالية. لكن، مالم يتم اخذه في الحسبان قبل البث هو أن الأوضاع السياسية و الاقتصادية في أمريكا في ذلك الحين كانت متوترة، و كان الراديو هو وسيلة الناس المفضلة للتعرف على المعلومات و المستجدات و الاطمئنان. و بالتالي كان على مسؤولي الإذاعة أن يأخذوا في الحسبان أربعة ظواهر نفسية قد تحدث في الاتصال الجماهيري:

• الظاهرة الأولى تحدث عندما يتعرض مجموعة من الأفراد يشتركون في الموقع و الاهتمامات لمؤثرات أو تهديدات مشتركة، تحدث عندها ظاهرة الهستيريا الجماعية (Mass Hysteria)، حيث تسيطر العواطف و الانفعالات على المنطق و يبدأ الخيال في رسم و تصديق أوهام تبدو مستحيلة.
• هذه الأفكار و التفسيرات لا تواجه بالضرورة بتحليل منطقي، بل على الأغلب سيميل الأشخاص الى تفسير الأوهام بما يؤكد مخاوفهم السابقة (حرب، خطر، هجوم) في ظاهرة تسمى التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، وعندها تتأكد قناعة الجمهور بوجود غزو فعلا.
• بعدها، بدأ الناس بالتساؤل حول التصرف المناسب في مثل هذه المواقف، و لكون هذه المواقف جديده و غير مسبوقة يبدأ الناس بالاقتداء ببعضهم البعض حتى تتحول بعض السلوكيات الفردية الى جماعية، فيما يسمى بظاهرة البرهنة الاجتماعية (Social Proof).
• لماذا لم يتم إيقاف هذا التدرج المرعب؟ لماذا لم يتأكد أحد من المعلومات و الحقائق؟ الجواب هو ظاهرة المتفرج (The Bystander Effect) و هي ميل المشاهدين للحادث الى افتراض أن الآخرين تأكدوا بنفسهم من المعلومة و المعلومة صحيحة.
انتهى التحقيق الرسمي بدون عقوبات، و مع التوصية بالحرص على التفريق بين المحتوى الإعلاني الذي يستهدف حصد المشاهدات، و المحتوى الإعلامي الذي يستهدف توثيق و توصيل المعلومة. و أصبحت هذه القصة أحدى المراجع في قدرة الإعلام على صياغة الرأي العام، و ليس فقط توثيقه و نشره.

أعود الآن الى الرياض ٢٠٢٤، قبل عدة أيام نشرت مقابلة في بودكاست مع مختص في التواصل و التسويق، و الحق يقال كان جميل النطق و المنطق، لكن طريقته ذكرتني بقصة اورسون ويلز، رغم أن الضيف ذكر أكثر من مرة أن هناك مجهودات و نجاحات مميزة، لكن استخدامه للمصطلحات و الأوصاف النارية أدى برأيي الى نتيجة عكسية. سأذكر هنا بعض الأمثلة من أقوال الضيف.

“هل عرض هيئة تطوير العلا لإعلان فيه بنت تتمغط تسوي يوجا وسط النخل يعبر عنا و عن هويتنا؟”
– و منذ متى يعبر الإعلان عن المرسل؟! الإعلان مخصص لاهتمامات و تفضيلات المتلقي، الغربي في هذه الحالة.

“صوت اعلامنا لا يتعدى منفذ الحديثة وليس له تأثير”
– اذا لماذا كل هذا الهجوم على إعلامنا حتى من جيراننا؟ اذا كيف استطعنا بناء السمعة التي تجعلنا قادرين على جمع قادة العالم العربي و الإسلامي من حكومات منتخبة خلال أيام!

معظم هذه التصريحات، بل معظم اللقاء لم يذكر او يستشهد باحصائيات او ارقام او دراسات، و ركز على الانطباعات للضيف و المقدم.

دعوني استنير بالقراء الأعزاء: هل اعلامنا الحكومي يحتاج الى تطوير؟
و سأشارككم اجابتي و كلي شوق لإجاباتكم: طبعا، و كل اعلام في العالم يحتاج الى تطوير دائم و مستمر، لكن : هل انتقاد اعلامنا الحكومي في قناة عامة، في هذا الوقت تحديدا، هو وسيلة تطوير ؟

انتظر اجاباتكم.